الشعب العربي الأحوازي قبل الغزو العسكري لرضا خان البهلوي عاش على أرضه منذ آلاف السنين، وتاريخه السياسي المعاصر يبين بأنه كان يتمتع بحكم مستقل تارة وتارة أخرى كان شبه مستقل عن الإمبراطوريات وشبه الإمبراطوريات التي كانت تتشكل في منطقتنا وتبسط سيطرتها على الأقاليم بالقوة العسكرية ولكنها تترك هذه الأقاليم بحكم نفسها دون التدخل في شؤونها الداخلية، على سبيل المثال في عهد الصفويين إطلق لأول مرة على أرض الأحواز تسمية عربستان، أي أرض العرب والتي كانت ضمن كونفدرالية شبه مستقلة.
يوم الإحتلال وفقدان السيادة
في أبريل سنة 1925، تم تدمير هذه السيادة الكونفدرالية المستقلة بواسطة هجوم عسكري لرضاخان بهلوي على الأحواز، وإحتلالها وأسر الشيخ خزعل آخر حكام عربستان، في يوم بات معروفاً بيوم الإحتلال وفقدان السيادة.
سياسة الاستعمار ومحو الهوية
مع إحتلال الأحواز (عربستان) وضمها إلى دولة حديثة التأسيس (إيران)، وإصطناع الدولة - الأمة الإيرانية، التي رافقها شعار، اللغة الواحدة، العلم الواحد، والوطن الواحد، بدأت عملية إستعمار الحكومة الحديثة لأرض الأحواز (عربستان)، التي كان الهدف منها تدمير هوية الشعب العربي وتغيير جوهر أرضه العربية. لقد تم تفويض رضا بهلوي الذي أصبح ملكاً، ليكون مسؤولاً عن الفرع العسكري لمشروع طويل الأمد بدأ تنفيذه آنذاك.
الخطوة الأولى التي قام بها رضا شاه بإيعاز من مستشاريه الذين كانوا بمثابة مركز أبحاث مخطط مشروع الدولة الأمة الإيرانية التي لها أوجه مختلفة منها تغيير الأسماء العربية للمدن والقرى الاحوازية وتحويلها لأسماء فارسية دخيلة، فتم تغيير إسم عربستان إلى خوزستان، وإختار رضا شاه لكل الأسماء العربية بديلاً فارسياً.
شهدت عملية نزع الهوية خلال فترة حكم البهلوي، وتباعاً الجمهورية الإيرانية الإسلامية مقاومة باسلة من جهة، وقمع دموي لهذه المقاومة من جهة أخرى. مرت هذه المقاومة بحالات صعود وهبوط يمكن تلخيصها في ثلاث مراحل رئيسية:
مرحلة تكوين الوعي القومي
والتي بدأت بالتزامن مع إحتلال الأحواز (عربستان) وبداية المقاومة ضد العدو المتغطرس، إستمرت هذه المرحلة حتى تشكيل جبهة تحرير عربستان. بعد وضع يد رضا خان على الأحواز (عربستان) تم تشكيل مقاومة ضد هذا الاستيلاء، هذه المقاومة بدأها شيوخ القبائل.
في الحقبة التي سبقت حقبة حكم الشيخ خزعل، كان لكل قبيلة دورها وختمها الخاص، وعندما كانت قبيلة معينة تكتسب السلطة تجمع القبائل الأخرى تحت مظلة قيادتها وتجعل الناس يخضعون لها بالقوة أو عن طريق تكوين التحالفات. عندما إستطاع الشيخ خزعل أن يتولى السلطة، تمكن بطريقة ما من جمع الجميع تحت مظلة حكمه، وغرس بذرة تشكيل الشعب الأحوازي، دون أن يخطط لهذا مسبقاً. بدأت هذه الغرسة بالنمو السريع، لأن الوضع العالمي والإقليمي يتجه نحو تشكيل الدول القومية. فمثل محمد علي باشا في مصر إعتبر الشيخ خزعل نفسه حاكماً مستقلاً في الدول الكبرى بالسيادة المستقلة لبلاده. بعد نهاية حكم الشيخ خزعل وإستيلاء رضا خان على عربستان، الأحواز، لم يعد تسلط قبيلة على باقي القبائل هو الصراع الرئيسي، بل الصراع أصبح ضد قوة أجنبية باتت تريد السيطرة على جميع القوى المحلية وإدخالها تحت حكم نظام جديد وغير معهود.
مرحلة الصراع القومي
في هذه الفترة تحديداً تغير نوع الصراع في عربستان، فالصراعات القبلية تغيرت إلى صراع قومي ضد قوة أجنبية إستعمارية، ومن هنا نشأ الشعور بالتضامن الشعبي، حيث لم تكن القبيلة ومصالحها في الأولوية، بل كانت الأولوية في مواجهة الغزو الأجنبي، وكانت هذه المرحلة مرحلة ولادة الوعي الشعبي لدى جماهير هذا الشعب.
مرحلة النمو والتوسع
تزامنت مرحلة النمو والتوسع في إكتساب الهوية الوطنية مع ظهور الحركات القومية في عموم الأقطار العربية، خاصة في العراق. توسع الفكر العربي القومي في العراق ساعد في التخطيط لبناء بنية تحتية للفكر القومي وترسيخ الهوية الوطنية في الأحواز.
كانت للحركة القومية العربية وفكرها الذي إنتشر في جميع الدول العربية لاسيما مصر والعراق والتي تزامنت مع حركات التحرير المناهضة للإستعمار وحركات التحرير اليسارية للأمم المضطهدة، دوراً مهماً في تعزيز نضال الشعب الأحوازي، خلق هذا الدور البارز نقلة نوعية قل نظيرها في تلك الفترة، وكان لهذه النقلة النوعية تأثيراً عميقاً في التنظير لمفهوم الشعب.
مرحلة الانفتاح السياسي
بعد الإطاحة بالشاه وخلق فضاء سياسي منفتح، نشطاء ومناضلي هذا الحراك أنشؤوا مراكز سياسية وثقافية وحاولوا في هذا السياق توسيع نطاق أنشطتهم إلى جميع المدن والقرى في الأحواز.
رحبت الجماهير لاسيما الشباب بهذه الأنشطة، وأصبح الحراك جماهيري واسع، لكن حجم القيادة لم يكون مناسباً مع حجم هذا الإستقبال وهذه الضخامة من العمل السياسي الذي عم جميع أنحاء الأحواز آنذاك، وقيادة الحراك لم تكن قادرة على تحويل هذه القوة الجماهيرية المنطلقة بقوة نحو العمل السياسي إلى العمل السياسي المنظم.
مرحلة القمع والحرب
كان المشهد السياسي في إيران عشية ثورة الشعوب ضد النظام البهلوي، وخاصة في الأحواز ومدنها، في إتجاه تحديد المسؤوليات والمهام، وهذه المسؤوليات تجلت بعد سقوط الشاه وأبان السنين الأولى للحكم الجديد تحت مظلة جمهورية اسلامية بشرت بالإنفتاح السياسي لكل مكونات هذه الجغرافية. مع هجوم النظام الحاكم وقمع وإبادة الحراك الأحوازي الوطني، وجراء الحرب الإيرانية العراقية، تغير المشهد والوضع تماماً، تم قمع الحركات الوطنية في جميع الأقاليم، وفرضت جمهورية إيران الإسلامية سيطرتها الكاملة على جميع أنحاء إيران.
فترة الإصلاحات وصحوة الحراك
بعد انتهاء حرب، نظام الجمهورية الإسلامية في إيران لغرض الخروج من الأزمات الحادة، وضعت مشروع الإصلاحات على جدول أعمالها ورئيس الجمهورية خاتمي أصبح رافعاً للواء هذا التحول. والذي إعتبر وصول خاتمي إلى السلطة وإحدى النقاط الرئيسية والمهمة في الحركة الوطنية في الأحواز، ضمن هذه التناقضات الظاهرة للهيئة الحاكمة. تمكن الحراك الأحوازي الوطني من القيام بأنشطة سلمية وقانونية طابعها كان علنياً في إطار حزبي وتنظيمي، وإستطاع خلال هذا الوقت أن يدرب طاقات مدنية نشطة.
ظهرت في هذه الفترة (فترة الإصلاحات) قوى مختلفة تختلف إختلافاً أساسياً في الفكر وفي طريقة العمل، مع الفكر وطرق العمل في السابق على مستوى الساحة السياسة الأحوازية. لقد أطرت هذه القوى حراكها في الإعتماد على بناء كوادر من داخل الساحة ونجحت في ذلك وتم بناء الأسس للعمل السياسي والثقافي الذي أستمر ليومنا هذا وأصبح من أركان النشاط الوطني في الساحة الأحوازية التي يرتكز عليها تقريباً. هذا الحراك جذّب العديد من شرائح الشعب وكون صحوة على المستوى الوطني، وفي هذه الحقبة إستطاع الحراك الوطني بشكل رزين وتدريجي أن يخلق لنفسه رأس هَرَم، وقيادة تقود الحراك خطوة تلو الأخرى نحو الأمام.
تأسيس حركة النضال العربي الأحوازي
بالتزامن مع هذه التطورات قام عدد من شباب الطبقة الواعية والمتعلمة، والمناضلة الذين كانوا ينشطون في الحراك المدني بتشكيل حركة النضال العربي الأحوازي بتاريخ 27-11-1999. هؤلاء المثقفون كان هدفهم من تشكيل هذا التنظيم هو العمل السياسي العلمي والمهني، والإحترافي الذي يخدم القضية الأحوازية، فهم كانوا على يقين بأن فترة الإصلاحات عابرة ولا يمكن أن تستمر والشعب الأحوازي لابد أن يواجه النظام الحاكم نداً لند عاجلاً أو أجلاً، لهذا السبب بذلوا قصارى جهدهم لتنظيم وإعداد كفاح مسلح سري وطويل الأمد. ولكن العمل السري لم يمنع قادة هذا التنظيم من المشاركة في العمل السياسي العلني آنذاك.
تطور الحركة ومسيرتها
الحراك المدني والسلمي لم يدم طويلاً وتم قمعه بشدة في عام ٢٠٠٥ كما توقعوا قادة حركة النضال العربي الأحوازي. فبعد هذا القمع أجبروا على الدفاع ضد مخططات الأجهزة العسكرية والأمنية للنظام. حيث وضعت حركة النضال في مركز دائرة الإهتمام لسبب اعمالها الوطنية، لذلك إستطاع هذا التنظيم أن يوفر لنفسه قاعدة شعبية كبيرة. جراء هذه الأنشطة، تم إعتقال وإعدام العديد من قادة هذا التنظيم، مما اجبر جزء من قادة هذا التنظيم للهجرة خارج الأحواز.
في بداية عام ٢٠١٥ طرأت تغييرات على سياسة حركة النضال، وتم تغيير شعار التنظيم من قوة مسلحة إلى قوة غير مسلحة، كما تم حذف رمز السلاح المرسوم على شعار التنظيم لتحل مكانه النخلة العربية الأحوازية، وكان هذا تغيير نوعي آخر في قبول مبدأ حق تقرير المصير.
في عام ٢٠١٩ في مؤتمر نيويورك، أعلنت حركة النضال رسمياً أن الهدف الرئيسي لحركة النضال هو قبول حق الشعوب في تقرير مصيرها، إستمرت هذه التغييرات إلى يومنا هذا، وأعطت حركة النضال مفهوماً أكثر وضوحاً وواقعية لمبدأ حق تقرير المصير.
حركة النضال باتت تؤمن بأن بتشكيل دولة فدرالية او كونفدرالية تضمن الديمقراطية والحريات ضمن نظام لامركزي في جغرافية إيران الحالية والتي تعد غاية الشعب الأحوازي حالياً وعلى رأس هذه الحقوق حقه في تقرير مصيره.